أحمد بن حجر الهيتمي المكي
52
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
واطلاعهم على أحوال الناس [ ما ] يطول ذكره ، ولكن أصله أن في الموجودات الرّوحانيات موجودا ، جميع تفاصيل الأمور الجزئية مما كان وسيكون منقوشة فيه ، لا نقشا يدرك بالحس الظاهر ، بل كنقش القرآن في دماغ المقرئ ، ويعبّر عن ذلك باللّوح المحفوظ أو الكتاب ، ويستعد قلب النائم بسبب النوم لمطالعته ذلك اللّوح ، فيتجلّى له من الأمور المستقبلة ، وأحوال الموتى شيء خاصّ ؛ بسبب حصول استعداده ، ومناسبة لا يوقف عليها بالقوة البشرية . الأمر الثالث : الشفقة على الأمة بتحريضهم على ما هو حسنة في حقهم وقربة لهم ، بل الصلاة ليست حسنة واحدة ، بل قربات ؛ إذ فيها تجديد الإيمان باللّه تعالى أولا ، ثم برسوله صلى اللّه عليه وسلم ثانيا ، ثم بتعظيمه ثالثا ، ثم بالعناية بطلب الكرامات له رابعا ، ثم بتجديد الإيمان باليوم الآخر وأنواع كراماته خامسا ، ثم بذكر آله سادسا ، ثم عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ، ثم بتعظيم اللّه بسبب نسبته إليه تعالى سابعا ، ثم بإظهار المودة لهم ثامنا ، ولم يسأل صلى اللّه عليه وسلم من أمته أجرا . . إلّا المودة في القربى ، ثم بالابتهال والتضرّع في الدعاء تاسعا ، والدعاء مخّ العبادة ، ثم بالاعتراف - عاشرا - بأن الأمر كله إليه ، وإنما النبي صلى اللّه عليه وسلم وإن جلّ قدره فهو عبد محتاج إلى فضله ورحمته تعالى ، وإلى مدد اللّه تعالى له ، وأنه ليس له من الأمر شيء ، وأن اللّه عز وجل لو أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمّه ، والأنبياء ومن في الأرض جميعا ، ويحرمهم من فضله ورحمته . . فلن يملك لهم أحد من اللّه شيئا . فهذه عشر حسنات سوى ما ورد الشّرع الشريف به من أن الحسنة الواحدة بعشر أمثالها ، والسيئة بمثلها فقط . وسرّه أيضا : أن الجوهر الإنسانيّ بطبعه حنّان إلى ذلك العالم العلوي ؛ لأنه مقتبس منه ، وهبوطه إلى العالم الجسماني غريب عن طبيعته ، والسيئة تضبطه عن الرّقيّ إلى ذلك العالم على خلاف طبعه ، والحسنة ترقّيه إلى موافقة